محمد بن محمد ابو شهبة
177
المدخل لدراسة القرآن الكريم
وهذا الرأي يتفق هو والروايات السابقة الدالة على اختلاف الصحابة في كلمات من القرآن ، وتنازعهم ، ورفع الأمر إلى رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - ثم إقرار الرسول كلا على قراءته ، ويوافق الأصول التي استنتجناها من هذه الروايات ؛ فالغرض من النزول على سبعة أحرف التيسير ، ورفع الحرج عن الأمة بالتوسعة في الألفاظ ما دام المعنى واحدا ، فقد كانوا أمة أمية ، وكانت لغاتهم متعددة ، وكان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات ، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة ، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة ، وتذليل للسان ، وتغيير للعادة ، فمن ثم جعل اللّه لهم متسعا في اللغات بقراءة المعنى الواحد بألفاظ مختلفة . وقد استمر الأمر على هذا حتى كثر فيهم من يقرأ ويكتب ، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو لسان قريش ، ولا سيما بعد أن صارت لقريش السيادة الدينية والدنيوية معا ، وقدروا على النطق بلغة قريش ، التي هي أعذب اللغات وأسهلها وأطوعها للألسنة ؛ فلم يسعهم أن يقرءوا بخلافها ، ولا سيما وقد زالت الضرورة وأصبحت التوسعة في القراءة بالأحرف السبعة مثار اختلاف وتنازع ، فقد حدث في عهد الخليفة الثالث « عثمان » - رضي اللّه عنه - أن اجتمع أهل الشام مع أهل العراق في غزوة « أرمينية » وكانت قراءاتهم مختلفة ، فصار يخطّئ بعضهم بعضا ، ويقول كل منهم : حرفي الذي أقرأ به خير من حرفك ، فجاء حذيفة بن اليمان إلى عثمان فقال : يا أمير المؤمنين ، أدرك المسلمين قبل أن يختلفوا في كتابهم اختلاف اليهود والنصارى ، وحدث أيضا : أن كان المعلم يعلم قراءة الرجل ، والآخر يعلم قراءة رجل آخر ، فصار الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع هذا الخلاف إلى المعلمين ، وكاد أن يكفر بعضهم بعضا ، فقال عثمان : أأنتم عندي تختلفون فمن نأى من الأمصار كان أشد اختلافا ، فرأى الخليفة الراشد عثمان - ونعم ما رأى - على ملأ من الصحابة ، ومشورة من أهل الرأي منهم أن يجمع الناس على حرف واحد ، حتى تضيق